الامام علي بن الحسين.. إمام الكل في الحقيقة والمربي الكامل لأهل الطريقة

يقول أحد الشعراء:

من ذا يكافئ زهرة فواحة؟  أو من يثيب البلبل المترنما

ينبغي للإنسان بصورة عامة وللمسلم بصورة خاصة أن يكون كباقة الورد العطرة، وأن يخدم الإنسانية من دون أن يتوقع مكافأة الناس له، وأن يعمل خالصاً لله عزّ وجلّ، كما ورد في القرآن الكريم حكاية عن أهل البيت (عليهم السلام) حيث قالوا: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً).

وأن يحب الناس، وإذا ما أساء إليه شخص ما، فعليه بالعفو والإحسان، فإن النبي(ص) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) كانوا كذلك، يغضون الطرف عن الذنب ويحسنون إلى المذنب.

وخلاصة القول على الإنسان أن يقابل الإساءة بالإحسان والشر بالخير، مما يعبر عنه في علم الأخلاق بـ(الملكات الإنسانية العالية).

وهذه من مزايا مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

إن المجرم في عالم اليوم إذا لم يلتزم بمنطق القوانين والمقررات، فإنهم سوف يجبرونه بالقوة من أجل المحافظة على حقوق الآخرين حتى لا يتجاوز حدوده ويتعدى على حقوق الآخرين.

أما في سيرة أهل البيت (عليهم السلام) الأخلاقية، فإن المجرم لا يُطرد ولاينفى، بل يجعل منه مؤمنا صالحا، حيث يسعون في هدايته بالحكمة والموعظة الحسنة ويستقبلونه بالوجه الطلق، مما يوجب هدايته إلى الطريق المستقيم والفطرة التي فطر الله الناس عليها.

فلم يقوموا بالسيف إلا للدفاع عن النفس

فسياستهم (عليهم السلام) هي سياسة اللين واللاعنف والأخلاق الطيبة، أما سياسة العصا والسيف فإنها ليست من شيمهم، فلم يقوموا بالسيف إلا للدفاع عن النفس، فإن نبي الإسلام العظيم(ص) وخليفته الإمام أمير المؤمنين(ع) لم يبتدئوا بحرب مطلقاً، بل كانوا دائماً وفي كل حروبهم في حالة الدفاع عن النفس وصد هجوم الكفار والمشركين، وحتى في تلك الحروب الدفاعية كانوا يجتنبون حد الإمكان عن القتل وإراقة الدماء.

نعم إنهم حملوا رسالة المحبة إلى العالم، وبينوا أن معالم دينهم قائمة على المحبة وكانوا يقابلون حتى أعدائهم بالمحبة والوئام.وكان الإمام زين العابدين غصناً من أغصان هذه الشجرة النبوية العظيمة والمورقة دائماً والملقية بظلالها على رؤوس الخلق إلى أبد الآبدين.

وقد كانت أخلاقه الطيبة مدرسة للآجيال، لقد كان سليل بيت النبوة الإمام زين العابدين(ع) علم للعارفين ومناراً يهتدي به كل من قُدّرِ له ان يشم رائحة الحقيقة ومثالاً كاملاً يعلمنا مايجب ان يكون بين العبد وربه فقد كان مثال الخاشع المتبتل لربه والمحب الهائم به وكانت تأخذه عن نفسه جذبات يغيب فيها عن حسه وعن الدنيا كلها كما كان الحبيب المصطفى(ص) يقول: (لي مع الله ساعة لا يسعني فيها نبي مرسل ولا ملك مقرب) أنه شوق النور إلى أصله وحنين الجزء إلى كله يفيض الحبيب إلى محبوبه ما شاء من العلوم والأسرار.

وقال في ذلك:

اني لأكتم من علمي جواهره    كي لا يرى العلم ذو جهل فيفتتنا

يارب جوهر علم لو أبوح به           لقيل لي أنت ممن  يعبد الوثنا

ولأستحل رجال دينون دمي           يرون أقبح ما يأتونه حسنا

لقد كان الإمام زين العابدين(ع) هو إمام الكل في الحقيقة، والمربي الكامل لأهل الطريقة، والوارث الروحي الذي ورث أباه السبط الشهيد وجده الإمام علي(ع) في العلم والزهد والعبادة، في الطريقة والحقيقة ومن خلال هذه الصفوة من السلسلة الذهبية، استفاضت واستسقت منها معظم الطرق الصوفية ونال من نفحاتها المباركة الكثير من أهل الذوق والعرفان وأئمة التحقيق والإيقان .

وكان له أوراد يعلمها لمريديه ويرغبهم بالاقتباس من بركة أنوارها ليستعينوا بها على السلوك لطريق الله.

كان عارفاً بخفايا النفس وعلومها ومدارجها وكيفية مجاهدتها وتزكيتها وكان يعلم مريديه واتباعه سبل الارتقاء بها إلى معارج القدس.

وكان عليه السلام يأخذ بيد مريديه ليجتاز بهم عقبات الطريق والتي اعتبر الدنيا أول هذه العقبات وكان يحذرهم منها ومن فتنتها والركون لها ويكشف لهم عن أنيابها.

شهادته عليه السلام

لقد كانت شهادة الامام في الليلة الخامسة والعشرين من شهر محرم الحرام عام أربعة وثمانين هجرية، قتله الوليد بن عبدالملك بن مروان لعنه الله بالسم ولم يبق رجل ولا امرأة ولا البر ولا الفاجر ولا صالح ولا طالح إلا خرج وشهد جنازته، وأن أبنه الباقر عليه السلام حينما كبّر بعد دفنه جاء تكبير من السماء وأجابه تكبير من الأرض وكبّر من في السماء سبعاً نعم. وقد صلت عليه ملائكة السماوات والأرض، ولقد دفن في البقيع مع عمه الحسن عليه السلام.

اکتب تعليق جديد

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.