احياء الذكرى المئوية لولادة العلامة الشهيد مرتضى مطهري

وقد ولد الشهيد آية الله مرتضى مطهري ‏في 3 شباط /فبرایر 1920 في مدينة فريمان بمحافظة خراسان، من عائلة علمائية. ‏

أبوه المرحوم الشيخ محمد حسين مطهري، درس العلوم الدينية في النجف ‏الأشرف، وبعد فترة من الإقامة في العراق والحجاز ومصر عاد إلى فريمان ‏وتوطن هناك وقضى عمره في ترويج الدين وإرشاد الناس. كان عالماً وزاهداً ‏ومخلصاً وتقياً، وبلغ مقامات معنوية رفيعة. توفي عام 1349هـ ش عن عمر ‏يناهز المائة عام. ‏

وكان لزهد وتقوى والده دوراً رئيساً في بلورة الشخصية المعنوية للشهيد، وقد ‏تفضل عليه الباري تعالى بهذا الولد البار جزاءً لإخلاصه وتقواه. ‏

الدراسة

بدأ الشهيد مطهري دراسة العلوم الدينية في سن العاشرة. وفي عام 1312هـ ش ‏توجّه إلى مشهد لإكمال دروسه الدينية. وبعد عامين أقدم رضا خان على إغلاق ‏المدارس الدينية، فعاد الشهيد إلى مسقط رأسه وواصل دراسته الحرّة لمدة سنتين. ‏ينقل عنه أنه كان يقول: "إن كل ما لدي من مطالعات تاريخية، تعود إلى السنتين ‏اللتين رجعت فيهما من مشهد إلى فريمان". ‏

وقد بدأ الشهيد بالبحث والدقة منذ الأيام الأولى لتلقّيه العلوم الدينية، وذلك بغية ‏الحصول على إجابات واضحة ووافية حول موضوع (معرفة الله). ‏

رغم وجود العلماء الكبار في الحوزة العلمية بمشهد، إلا أن صيت قم قد ذاع في ‏الآفاق، مما جعل الشهيد مطهري يهاجر إليها، هذا في وقت كانت قد بلغت فيه ‏محاربة رضا خان للحوزات العلمية أوجها، والعلماء معرّضون لأشد الضغوط. ‏ومن جانب آخر كان أقارب وأصدقاء الشهيد يعارضون ذهابه إلى الحوزة العلمية ‏بقم. ‏

درس الشهيد مطهري كفاية الأصول لدى آية الله السيد محمد داماد، والبحث ‏الخارج لدى الآيات العظام: الخوانساري، الحجة والصدر، ثم استفاد من دروس ‏الإمام الخميني قدس سره، وكان يعتبر الدراسة على يد الإمام الخميني قدس سره ‏اثنا عشر عاماً ـ والذي تعدّت علاقته بالإمام حدود علاقة التلميذ بالأستاذ حيث ‏كان الإمام يزوره في غرفته في المدرسة الدينية ـ ذي تأثير كبير على تبلور ‏شخصيته. ‏

كما أن لتتلمذ الأستاذ مطهري عند العلامة الطباطبائي دور كبير في بلورة ‏شخصيته العلمية والروحية. ورغم أن مدة دراسة الأستاذ الرسمية لدى العلامة ‏كانت في حدود الثلاث سنوات، إلاّ أن علاقته بالمرحوم العلامة كانت مستمرة ‏حتى استشهاده، وكان يستفيد منه حتى نهاية حياته. وعبارة "سماحة أستاذنا الأكرم ‏العلامة الطباطبائي" لدليل على ما يكنّه الشهيد من احترام للعلامة. ‏

كان الشهيد مطهري مجتهداً وصاحب رأي في العلوم الإسلامية من قبيل التفسير ‏والفقه وأصول الفقه وأصول الدين والفلسفة الشرقية، خصوصاً أنه لمس بدقة ‏مسائل فلسفة صدر المتألهين الشيرازي، وكانت تأليفاته دقيقة وناضجة ومفيدة ‏وقيمة جداً لجيل الشباب الباحثين. ‏

وكان للراحل دور مؤثر في التعريف بالإسلام الأصيل وفي الكفاح بزعامة الإمام ‏الخميني، وكان ضمن العلماء الأعلام والمثقفين الذين اعتقلوا في الخامس عشر من ‏خرداد. وكان دائماً من أنصار الثورة الأوفياء، وكان من خصوصياته أن أجواء ‏طهران المتلاطمة لم تلوثه، وبقي على خلوصه وصفائه وبساطته وأخلاقه ‏ومعنويته، ويالها من فضيلة عظيمة أن لا تؤثر الأجواء سلباً على الانسان، بل ‏يترك آثاراً ايجابية في المحيط الذي يعيشه. كما أن من خصوصيات المرحوم هي ‏الالتزام والعلاقة المفرطة للذكر والدعاء والتهجد. ‏

وإضافة إلى درس خارج الأصول، درس الشهيد شرح المنظومة لملا هادي ‏السبزواري وجزءً من الأسفار لدى الإمام الخميني قدس سره، وكان يتمتع بذكاء ‏وافر واستعداد قوي وجهد مضاعف بحيث تخطى المدارج العلمية بسرعة، ونال ‏الاجتهاد في العلوم النقلية والعقلية. ‏

ومعمول في الحوزات العلمية منذ القدم أن يبدأ الطالب إضافة إلى دراسته للدروس ‏العليا، بتدريس العلوم الحوزوية، عاملاً بالحديث الشريف "زكاة العلم نشره". ‏والشهيد مطهري لم يشذ من هذه القاعدة، فبدأ بالتدريس في الحوزة إلى أن نال ‏لقب (الأستاذ) في الحوزة العلمية، وأصبح من الأساتذة المعروفين فيها. ‏

الهجرة إلى طهران

هاجر الشهيد مطهري عام 1331هـ ش من قم إلى طهران. ‏

بهجرته إلى طهران بدأ فصل جديد في أمر الموعظة والتبليغ، وفي هذه المرّة ‏تطرق شخصيا لإلقاء المحاضرات وتبليغ الدين وهو مجتهد مسلّم به، ونعى ‏شخصية أبا عبد الله الحسين عليه السلام وقرأ مقتله وهو مشتغل بتدريس أعقد ‏الكتب الفلسفية في الجامعة. ‏

ولو كان متصوراً في السابق أن الذين ينعون أبا عبد الله عليه السلام هم ممن لا ‏يتمتعون بالمستوى العلمي المطلوب أو من الجهلة، فإن هذه المرة وضع شخص ‏قدمه في هذا الميدان وهو صاحب رأي في الفقه والفلسفة والكلام والتفسير. ‏فجامعيته قد وفرت له الأرضية اللازمة للتواجد في المجامع العلمية والثقافية ‏والدينية. والشيخ المطهري فقيه حوزوي، وعالم دين، ومبلغّ حريص على الدين، ‏ومفكر أكاديمي، ووجه جامعي لامع، وعالم بصير وجامع، وخطيب مفوّه، وكاتب ‏مقتدر، بحيث يمكنه إدارة مجتمع مثقف وحضاري في عالم اليوم بالنظرية الدينية ‏التي ظهرت منذ أربعة عشر قرناً، ويمكنه تقديم الدين وإرشاد المشاعر الجياشة ‏للجيل الجديد في طريق الدين. ‏

بعد أن استقر الشهيد في طهران، بدأ بالتدريس في مدرسة مروي للعلوم الدينية؛ ‏واستمر تدريسه إلى قبل ثلاث سنوات من استشهاده. ‏

وأول تأليف للشهيد هو مقدمة وحاشية على كتاب (أصول الفلسفة والمذهب ‏الواقعي). وكان لانتشار هذا الكتاب دور كبير في إثبات خواء الفلسفة المادية. ‏

فقد قال احسان طبري منظر حزب توده الشيوعي في ايران، والذي نبذ الأفكار ‏المادية وعاد إلى الإسلام أواخر حياته، قال في مقابلة معه إن تغيير أيديولوجيته ‏كان نتيجة مطالعته لكتب الأستاذ مطهري خصوصاً كتاب (أصول الفلسفة و...). ‌‏ كان للشهيد مطهري دور بارز وخاص في النهضة، فقد كانت مكانته بصورة ‏بحيث كان موضع احترام وثقة المراجع، ويمكن القول إنه كان حلقة وصل بين ‏الإمام وسائر المراجع. ومن خصوصياته أن علاقاته كانت وثيقة جداً مع المراجع.‏

بعد هجرة الامام الخميني ره إلى باريس، كان الشهيد مطهري على ارتباط دائم ‏معه، وكما قال حجة الإسلام والمسلمين هاشمي رفسنجاني في مقابلة تلفزيونية: ‌‏"كان منزل الأستاذ مطهري مركز هداية الثورة في داخل البلد، والتنسيق مع قيادة ‏الإمام". ‏
كان الشهيد مطهري طوال فترة اشتداد وتيرة الثورة الإسلامية، يسعى جاهداً إلى ‏عدم استغلال الأحزاب والجماعات المتظاهرة بالإسلام وذات الأفكار المنحرفة لها. ‏لأنه كان يؤمن بقوة بالدفاع عن خلوص الثورة فكرياً وعقيدياً، وأن الهدف ليس ‏الثورة فقط بل ثورة الإسلامية، ولهذا كانت هذه الجماعات تكن العداء الشديد ‏للشهيد، وبلغ هذا العداء درجة بحيث اتهموا الشهيد بأنه المانع عن دعم الإمام لهم، ‏وإلا فلا مخالفة للإمام معها، وطبعاً هذا ناشئ من عدم معرفتهم الصحيحة للإمام ‏الخميني(ره). ‏
الاستشهاد

وفي النهاية استشهد الشهيد مطهري في 1 ايار/مايو 1979، طهران، أي بعد أقل من أربعة أشهر على انتصار ‏الثورة، على يد جماعة فرقان المنحرفة التابعة فکريا إلی زمرة الخلق الإرهابية، والتحق بالرفيق الأعلى. ‏

اکتب تعليق جديد

Image CAPTCHA