الموروث الفني الاسلامي(2-2)

وإذا كان الفن المعماري الإسلامي تجريدياً فإن الرسم الجداري والمنمنمات والخزف فن تصويري. ففي المنمنمة التي تمثل الطبيعة والإنسان بدقة وبرهافة وشاعرية وعاطفة انفعالية، الذي يطغى على المشاهد ليس فقط دقة الرسم بل اللون الغزير المضيء. فالمشهد ليس تقليداً للطبيعة ولم يكن كذلك ينحو منحنى البوذية والتاوئية في البحث عن الطريقة الصوفية الحقيقية بل هو مفصل ودقيق ورهيف ويشع بالحيوية المفرطة. هكذا تكوّن أسلوب جديد ليس بالعربي العراقي ولا بالصيني البحت، وصل ذروته في هرات وقد كانت حاضرة خراسان في عهد التيموريين، كما أن شخص الفنان برز في الرسم والمعمار وانضلع عن الحرفية. وإذا كان القرن الخامس عشر في ايطاليا هو قرن «ليوناردو» فالفترة نفسها كانت قرن «بهزاد» في عالم الاسلام في هرات أولاً ثم في تبرير تم في بخارى. لماذا كان بهزاد بطلاً وكذلك تلاميذه من بعده؟ لأنه كان في صراع مستديم مع محدودية الأسلوب والشكل في الحضارة الاسلامية.

تغلب الإيحاء الفارسي على التأثير الصيني

اننا نندهش من جمال المنمنمة عندما نتصفح مخطوطات هذه الفترة «كالشاهنامة» حيث نرى تغلب الإيحاء الفارسي على التأثير الصيني والتمرد على الماضي العراقي. لقد كان بهزاد مخضرماً حيث عاصر العهد التيموري وبدء العهد الصفوي حيث انتقل إلى تبريز، فأشع كثيراً في عهد «طاهمام» لقد قيل ان الرسم الفارسي في لحظة 1500م يعكس الفلسفة الاشراقية المتمحورة حول «عالم المثال» وهي من ايحاء افلاطوني، وان المنمنمات تصور مشاهد طبيعية تشير في الحقيقة الى ارض صوفية كأرض «حورقلياء» الرمزية. وهكذا يكون الفن الاسلامي فناً فلسفياً في الحين نفسها الذي يبدو فناً «سوريالياً». فالرسم البهزادي بعيد عن الطابع الانخداعي للنهضة أو عن الرسم الصيني المتمركز على الذاتية بل هو يطالب المشاهد بأن يحافظ على حريته ويركز نظرته. هو الحرية المطلقة للون وخط الرسم مثل حرية البوليفونيا في الموسيقى. ولقد تمادى الرسم وأشع على شكل «البورتري» في بلاط الأباطرة المسلمين المغول في هند القرن السادس عشر.

 يحق للانسان ان يتساءل عما كان سيصير اليه الرسم الاسلامي لولا تحريم الصورة من طرف فقهاء القرن الثاني الهـجري؟ أيكون كما كانت عليه حضارته لمدة تسعة قرون (800 - 1700) أي أعظم حضارات زمانها من دون منازع مع الصين. وهذا فعلاً ما عبّر عنه المعمار الاسلامي سواء في شرق الاسلام (ايران، الهند، آسيا الوسطى) أو في غربه في الشام ومصر والمغرب والاندلس مروراً بالأناضول. وهو شكل يجمع بين الأناقة والجمال وبين العظمة في الفترات الأولى أو المملوكية في مصر.

المعمار الاسلامي معروف ومبجل إلا ان هناك من يفضل العهود الأولى ذات الفن الصافي النقي من التزويق والبهرجة، كجامع ابن طولون أو جامع القيروان، على العهود المتأخرة المتألقة في قباب اصفهان الزرقاء سواء في مسجد الامام أو مسجد لطف الله أو مسجد الجامع ذي الايوان الملون المقرنصي الاخاذ للعين والفكر. اتجاهان وحساسيتان وفترتان من التاريخ، فمن جهة التلوين على القباب والخزف المطبوخ اللامع، ومن جهة أخرى القوة القديمة للشكل البحت. إن في المعمار الاسلامي غيابا للرمز التمثيلي لأن المسجـد لا يتـجـه مثـل الكنيسة نحو السر المقدس ولا يصور الكوسموس كما يصوره المعبد الهندوسي، فاستقل المعمار عن المطلب الرمزي وغـدا فـنـاً بحتاً كما في «غوراي أمير» في سمرقند (1434م) وكما في مسجد «قوة الاسلام» في دلهي، وكل هذا في فترة متجهة نحو اللون والرقة.

وفي الحقيقة معمار الاسلام منجذب نحو قطبين: قطب عظمة الشكل وبساطته وقطب البهاء والسطوع. ولقد حاول «سنان» في اسطنبول التركيب بين القطبين، أي قطب الاسلام المتوسطي الغربي والقطب الاسلامي الايراني. أما في معمار القصور فنجد العكس من هذا الاتجاه.

ففي أقصى الشرق، في أغرا يجمع «التاج محل» بين جمالية إلاهية حقاً قلما وجدت في تاريخ الفن الانساني وبين روعة الشكل المقتربة من العظمة، المتجاوزة للرقة. لكن في أقصى المغرب، أي في الأندلس تقوم «الحمراء» مثالاً على الرقة والجمال الذي لا يقع مع ذلك في التكلف. هذه بعض تأملات سقتها عساها ان تشارك في تغذية الحس النفسي في الضمير العربي المعاصر وهو غائب الى حد بعيد، كما غاب في فترة القوميات الآن معنى الوحدة التي قامت عليها إحدى كبرى حضارات الانسان. 

اکتب تعليق جديد

Image CAPTCHA