الرسول (ص)حق التأديب والتعليم

لا شكَّ أن السنوات الأولى من عمر الطفل هي أهم مراحل حياته ، ومن هذا المنطلق يؤكد علماء التربية على ضَرورة الاهتمام الزائد بالطفل ، وأهمية تأديبه بالآداب الحسنة .

فقال الإمام علي ( عليه السلام ) مبيِّناً أهميَّة الأدب وأرجحيَّته على غيره : ( خَيْرُ مَا وَرَّثَ الآبَاءُ الأبْنَاءَ الأدَبَ ) .

وسَلَّط حفيده الإمام الصادق ( عليه السلام ) أضواء معرفية أقوى ، فكشَفَ عن العِلَّة الكامنة وراء تفضيل الأدب على المال ، بقوله ( عليه السلام ) : ( إنَّ خَيرَ مَا وَرَّث الآبَاءُ لأبنائِهِم الأدَبَ لا المَال ، فإنَّ المالَ يَذهَبُ والأدَبُ يَبْقَى ) .

وينبغي الإشارة إلى أن موضوع ( أدب الأطفال ) قد احتلَّ مساحة واسعة من أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فنجد تأكيداً على المبادرة إلى تأديب الأحداث قبل أن تقسو قلوبهم ، ويصلب عودهم ، لأن الطفل كورقة بيضاء تقبل كل الخطوط والرسوم التي تنتقش عليها .

فيقول الإمام علي لولده الإمام الحسن ( عليهما السلام ) : ( إنَّمَا قَلْبُ الحَدَث كالأرْضِ الخَالِيَة ، ما أُلقِيَ فِيهَا مِنْ شَيءٍ قَبلتْهُ ، فَبَادَرْتُكَ بالأدَبِ قَبلَ أن يَقسُو قَلبُكَ ، ويَشْتَغلُ لُبُّكَ ) .

ويمكن إبراز الخطوط الأساسية لمدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) في بيان تأديب الطفل وتعليمه في النقاط التالية :

الأولى : لا تقتصر تربية الأولاد على الأبوين فحسب ، بل هي مسؤولية اجتماعية تقع أيضاً على عاتق جميع أفراد المجتمع ، وحول هذه النقطة بالذات يقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( أيُّما ناشئ نشأ في قوم ثمَّ لم يؤدَّب على مَعْصِيَة ، فإنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أول ما يعاقِبُهُم فيهِ أنْ يُنقِصَ مِنْ أرْزَاقِهِم ) .

فرؤية أهل البيت ( عليهم السلام ) تنطوي على ضرورة تأديبِ أفراد المُجتَمع – وخصوصاً الأحداث منهم – على الطاعة ، وتميل إلى أن المسؤولية في ذلك لا تُنَاط بالوالدين فحسب ، وإن كان دورُهم أساسيّاً ، وإنما تَتَّسع دائرتها لتشمل الجميع ، فالسنة الاجتماعية بطبيعتها تنطبق على الجميع بدون استثناء .

الثانية : من الضروري مراعاة عمر الطفل ، فلكلِّ عمر سياسة تربوية خاصة ، فمدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) سبقت المدارس التربوية المعاصرة بالأخذ بمبدأ ( التدرُّج ) ، وهو مبدأ اِلتَزَمَتْ به المناهج التربوية المعاصرة ، بعد أن أثبتت التجارب العملية فائدته وجدواه .

وهنا يبدو من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الأئمة ( عليهم السلام ) يتبنُّون بصورة عامة تقسيماً ثُلاثياً لحياة الطفل ، ففي كل مرحلة من المراحل الثلاث ، يحتاج الطفل لرعاية خاصة من قبل الأبوين ، وأدب وتعليم خاص .

واستقرأنا ذلك من الأحاديث الواردة في هذا المجال ، وكشاهد على تبنِّيهم التقسيم الثلاثي نورد هذه الرواية :

قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( دَع ابْنَكَ يَلعَبُ سَبْع سِنين ، ويُؤدَّبُ سَبع سِنين ، وألزِمْه نفسَكَ سَبْع سِنين ، فأن أفلح ، وإلاَّ فإنَّه لا خَيرَ فِيه ) .

فالمرحلة الأولى هي مرحلة لعب ، والثانية مرحلة أدب ، والثالثة مرحلة تبني مباشر للطفل ، وملازمته كَظِلِّه .

الثالثة : ينبغي عدم الإسراف في تَدليل الطفل ، واتِّباع أسلوبٍ تربويٍّ يعتمد على مبدأ الثواب والعقاب ، كما يحذِّر أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) من الأدب عند الغضب .

فيقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( لا أدَبَ مَع غَضَبٍ ) .

وذلك لأن الغضب حالة تحرِّك العاطفة ولا ترشد العقل ، ولا تعطي العملية التربوية ثمارها المطلوبة ، بل تستحق هذه العملية ما تستحقه الأمراض المزمنة من الصبر ، والأناة ، وبراعة المعالجة .

فالطفل يحتاج إلى استشارة عقلية متواصلة لكي يدرك عواقب أفعاله ، وهي لا تتحقق – عادة – عند الغضب الذي يحصل من فوران العاطفة وتأججها ، وبدون الاستشارة العقلية المتواصلة لا تحقق العملية أهدافها المَرجوَّة ، فتكون كالطَّرقِ على الحديد وهو بَارد .

وهناك حقٌّ آخر للطفل مكمِل لحقِّه في اكتساب الأدب ، ألاَ وهو حق التعليم ، فالعلم كالأدب وراثة كريمة ، يحث أهل البيت ( عليهم السلام ) الآباء على توريثه لأبنائهم ، فالعِلم كنز ثمين لا ينفذ ، أما المال فمن الممكن أن يتلف أو يسرق ، وبالتالي فهو عرضة للضياع ، ومن هذا المنطلق يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( لا كَنْزَ أنْفَع مِن العِلْمِ ) .

ولما كان العلم في الصغر كالنقش على الحجر ، يتوجب استغلال فترة الطفولة لكسب العلم أفضل استغلال ، وفق برامج علمية تتبع مبدأ الأولوية ، أو تقديم الأهم على المهم ، خصوصاً ونحن في زمن يشهد ثورة علمية ومعرفية هائلة ، وفي عصر هو عصر السرعة والتخصص .

ولقد أعطى أهل البيت ( عليهم السلام ) لتعلم القرآن أولوية خاصة ، وكذلك تعلم مسائل الحلال والحرام ، ذلك العلم الذي يمكنه من أن يكون مسلماً يؤدي فرائض الله المطلوبة منه .

وللتدليل على ذلك نجد أن من وصايا أمير المؤمنين لابنه الحسن ( عليهما السلام ) : ( اِبتدأتُك بِتَعليمِ كِتَاب اللهِ عزَّ وَجَلَّ وتأويلِه ، وشَرائِعِ الإسلامِ وأحْكَامِه ، وحَلالِهِ وحَرامِه ، لا أجَاوزُ ذَلكَ بِكَ إلى غَيره ) .

وزيادة على ضرورة تعليم الأطفال العلوم الدينيَّة من قرآن وفقه ، تركز السنة النبوية المعطَّرة على أهميَّة تعلم الطفل لعلوم حياتية معيَّنة ، كالكتابة ، والسباحة ، والرمي .

فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( حَقُّ الوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ أن يُعلِّمَه الكِتَابة ، والسِّبَاحَة ، والرِّمَايَة ، وأنْ لا يَرزُقَه إلاَّ طَيِّباً ) .

وهناك نقطة جوهرية كانت مثار اهتمام الأئمة ( عليهم السلام ) ، وهي ضرورة تحصين عُقول الناشئة من الاتجاهات والتيَّارات الفكرية المنحرفة من خِلال تعليمهم علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) واطِّلاعِهم على أحاديثهم ، وما تَتضمَّنه من بحرٍ زاخر بالعلوم والمعارف .

وحول هذه النقطة بالذات ، يقول الإمام علي ( عليه السلام ) : ( عَلِّمُوا صِبْيَانَكم من عِلْمِنَا ما يَنفَعُهم الله بِه لا تغلبُ عَلَيهم المرجِئة برأيها ) .

اکتب تعليق جديد

Image CAPTCHA