كيف يؤثر «توم وجيري» على نفسية طفلك؟

مقدمة المترجم

احتل سؤال مدى تأثير ما نشاهده ونستهلكه من محتوىً بصري على عقولنا وأفكارنا مكانةً محوريةً الفترة الماضية، ربما، لظهور تقنيات التصوير والأنميشن، وبرز هذا السؤال بصورةٍ خاصةٍ في المساحة التربوية، إذ أدرك الأهالي سريعًا الضرورة الملحّة للانتباه إلى ما يشاهده أطفالهم من رسومٍ متحركةٍ وألعاب فيديو اشتملت في بعض الحالات على عنفٍ مفاجئ، بل وامتد هذا إلى الجانب السياسي والتشريعي، فصار تنظيم هذا المحتوى وتقييمه شغلًا شاغلًا، ومر بمراحل عديدة ترافق معها اعتماد العديد من الأنظمة لاختيار المحتوى المناسب للفئات العمرية المختلفة، وهو حوارٌ لا يزال مستمرًا إلى اليوم، فشهد الاهتمام بهذا الموضوع مراحل مختلفة بالتوازي مع تقدم تكنولوجيا الرسوم المتحركة وتنوع محتواها وغزارته، إضافةً بالطبع إلى حجم الاهتمام الإعلامي وجدلية الموضوع نفسه بين الفترة والأخرى.

أثار هذا السؤال اهتمامًا أكاديميًا بشكلٍ كبيرٍ بلا شك، فتناولت العديد من الدراسات تأثير الرسوم المتحركة على الجوانب المختلفة للأطفال من سلوكهم وإدراكهم إلى لغتهم وتفكيرهم، باختلاف أعمارهم وشخصياتهم أيضًا. وعاد هذا السؤال إلى الواجهة بقوة مع تزايد وتيسر الوسائل التي يمكن للطفل استخدامها لمشاهدة الرسوم المتحركة في السنوات الأخيرة، فكان انتشار الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية سهلة الاستخدام يعني بأن الطفل يستطيع مشاهدة ما يحلو له من رسومٍ متحركة ببضع نقرات.

تركّز كارولين فيتزباتريك في هذه المقالة المختصرة على الرسوم المتحركة التي تنطوي على مشاهد عنف وتأثيرها على الأطفال. تعتمد المقالة على دراسةٍ أجرتها الكاتبة مع زملائها شملت 1800 طفل أعمارهم تتراوح ما بين 3-4 أعوام، ومن ثم دراسة سلوك هؤلاء الأطفال عند وصولهم الصف الثاني؛ أي بعد ثلاث سنوات، بالاستناد إلى استطلاعٍ للسلوك الاجتماعي لهؤلاء الأطفال في بيئة الغرفة الصفية طُلِبَ من معلميهم الإجابة عليه. وارتكزت المقالة في قياس مدى استهلاك الأطفال للأفلام والبرامج العنيفة على تقدير ذوي هؤلاء الأطفال.

وتخلص الكاتبة إلى أن مشاهد العنف في الرسوم المتحركة تُحدِث حالةً من الاضطراب العاطفي في الأطفال، تتمثّل في سلوكياتٍ غير اجتماعية، فيما كان لهذا أيضًا تأثيرٌ على الجانب الإدراكي، فصاغ الأطفال الذين يستهلكون رسومًا متحركةً وألعاب فيديو تنطوي على العنف إدراكًا مشوهًا للعنف ومدى انتشاره في الحياة الواقعية.

وتقدم الكاتبة في النهاية بعض الوسائل المبسطة التي يمكن للأطفال استخدامها لتقليل الآثار السلبية لما يشاهده الأطفال من محتوىً عنيف.


نص المقالة

أصبح استهلاك المادة الإعلامية اليوم أمرًا يسيرًا جدًا على الأطفال، سواءً عبر الوسائل التقليدية، مثل التلفاز، أو الأجهزة المحمولة مثل الحواسيب والأجهزة اللوحية.

وباتت مشاهدة الطفل لمحتوىً ينطوي على العنف أمرًا واردًا بصورةٍ أكبر في ظل يسرة وسائل عرض المادة الإعلامية، ويشمل ذلك المشاهد التمثيلية أو مشاهد الرسوم المتحركة التي تُستخدم فيها القوة أو التي يتعرض فيها شخص أو شخصية إلى أذى. وتُظهر الدراسات بأن 37% من المواد الإعلامية المخصصة للأطفال تشتمل على مشاهد عنفٍ لفظي أو جسدي. كما أن 90% من الأفلام، و68% من ألعاب الفيديو، و60% من المسلسلات التلفزيونية، و15% من الفيديوهات الموسيقية تشتمل على صورةٍ من صور العنف. ويمكن أيضًا، في بعض الحالات، استخلاص بأن جانب العنف في تزايد، فقد تنامى حجم العنف في الأفلام المعروفة بصورةٍ مستمرة على امتداد الخمسين سنةً الماضية.

وهناك بالفعل أدلة تبين بأن ذلك قد يضر بالأطفال. فيبدأ الطفل بتكوين إدراكه وتوقعاته للعالم من حوله في عمرٍ يتراوح بين 3- 4 سنوات. وتتأثر هذه التوجهات لدى الأطفال بصورةٍ كبيرةٍ بتجاربهم اليومية. فإن شاهد الأطفال بصورةٍ متكررةٍ مشاهد العنف، فيمكن لهم أن يشكلوا رؤيةً لعالمٍ أكثر خطورةً مما هو عليه في الواقع.

قمت مع زملائي بدراسة المخاطر طويلة الأمد المرتبطة بمشاهدة المواد الإعلامية العنيفة على نمو الأطفال، في محاولةٍ للتعمق أكثر في هذا السؤال والتكهن بالآثار المترافقة مع استهلاك المواد التي تحتوي على العنف على الصحة الذهنية. وخَلُصنا إلى وجود سلوكياتٍ غير اجتماعيةٍ تبرز لدى الأطفال الذين يشاهدون العنف، كما أن هؤلاء الأطفال يعانون أيضًا من اضطرابٍ عاطفي.

مشاهدة العنف

قمنا بقياس مستوى مشاهدة 1800 طفلٍ تتراوح أعمارهم بين 3-4 أعوام للأفلام والبرامج العنيفة بالاستناد إلى تقارير ذويهم. ومن ثم قام معلمون يدرّسون لطلاب الصف الثاني بتقييم سلوكيات هؤلاء الأطفال نفسهم في بيئة الغرفة الصفية بناءً على استطلاعٍ للسلوكيات الاجتماعية طُلِبَ من هؤلاء المعلمين الإجابة عليه، ويغطي هذا الاستطلاع السلوكيات مثل العدوان الجسدي، والسرحان، والاضطراب العاطفي على مدار العام الدراسي. ولم يتم إخبار المعلمين بهوية الأطفال الذين يشاهدون محتوىً عنيفًا.

قمنا أيضًا بتحييد عوامل بيئة المنزل على تطور هذه السلوكيات. فتحكمنا بعوامل عدوانية الطفولية المبكرة، وجودة التربية، والتعليم الأمومي، والسلوكيات غير الاجتماعية التي يظهرها ذوو الطفل، وبنية العائلة.

وبالاستناد على ما حصلنا عليه من نتائج، فقد قيّم المعلمون الأطفال الذين يشاهدون العنف على أنهم غير اجتماعيين أكثر من غيرهم، وتضم السلوكيات غير الاجتماعية التي برزت لديهم غياب الشعور بالذنب، والكذب، وغياب حساسية هؤلاء الأطفال لمشاعر غيرهم، والتلاعب بالآخرين.

وأظهرت النتائج أيضًا وجود ارتباطٍ واضح بين مشاهدة المحتوى العنيف ومشاكل الانتباه في الغرفة الصفية. كما أن الأطفال الذين يشاهدون محتوىً عنيفًا بانت عليهم علامات اضطرابٍ عاطفي أكثر على صعيد الحزن وغياب الحماس.

وكانت النتائج مشابهة بين الذكور والإناث.

نمو الطفل

يرتبط المحتوى الذي يشاهده الأطفال الصغار ارتباطًا وثيقًا بالصورة التكوينية للطفل.

فإذا ما نظرنا إلى البرامج التي تناسب عمر هؤلاء الأطفال، مثل برنامج «افتح يا سمسم»، أو «Sesame Street»، الموجه للأطفال في عمر رياض الأطفال، والتي تهدف إلى مساعدة الأطفال على فهم الكلمات أو الأفكار، فمن المعروف بأن هذه البرامج تساعد الأطفال على تنمية ملكة اللغة والمهارات الذهنية لدى الأطفال.

ويمكن أيضًا أن تلعب التكنولوجيا الحديثة دورًا إيجابيًا، فتسهل تقنيات التواصل بالفيديو، مثل سكايب أو فيستايم، على تعلم اللغة، إذ إنها تعطي الطفل وسيلةً تفاعليةً بينه وبين البالغين.

ولكن هناك أيضًا الأفلام وألعاب الفيديو العنيفة، فتتمحور هذه الأشياء في الغالب حول شخصيةٍ تجذب المشاهد، وتنخرط هذه الشخصية في أفعالٍ عنيفةٍ مبالغٍ في عددها. ويمكن للأطفال الذين يستهلكون هذه المواد أن يكوّنوا إدراكًا مشوهًا للعنف ومدى تكرره في الحياة الواقعية.

ويمكن أن يؤدي هذا إلى اقتناع الطفل في النهاية بأن العالم هو مكانٌ خطيرٌ جدًا مليءٌ بأشخاصٍ يضمرون نوايا الشر. ولا يستغرب قيام الناس الذين يرون العالم بهذه الطريقة على تفسير أي إشارةٍ عرضيةٍ أو فيها شيءٌ من الالتباس على أنها سلوكٌ عدواني أو هجومٌ شخصي.

يوجد بكل تأكيد خطوات يمكن للأهالي أن يعملوا بها. فيمكن لهم تقديم قدوةٍ حسنةٍ لأطفالهم بإظهار سلوكياتٍ إيجابيةٍ تخلو من العنف، مثل اللجوء إلى التواصل المتسم بالاحترام لحل المشاكل عوضًا عن العدوانية، وأيضًا محاولة التحدث مع أطفالهم عن الصور العنيفة التي يشاهدونها، فيمكن للأهالي أن يقللوا الآثار السلبية التي يحملها المحتوى العنيف على أطفالهم باستخدام هذه الطرق.

يجب أيضًا على الأهالي جعل غرف النوم مساحةً خاليةً من الشاشات، ومراقبة مدى استهلاك أطفالهم عن كثب، وقطع الاتصال بشبكة الإنترنت ليلًا.

اکتب تعليق جديد

Image CAPTCHA